صحيفة اوان

مجلة مبرات التضامن التي اصدرت عام 2016

جمعية التضامن على الفيس بوك

شعيرة الاعتكاف في جامع الشيخ عباس الكبير

#

 

محمد باقر الناصري .. عمامة السلام

Sat , 2020/08/01 | 12:38

 
 
بطاقة عيد مؤجلة على شاهدة قبر اية الله الشيخ محمد باقر الناصري

بين عيد رمضان وعيد الاضحى ثمة خيط حزنٍ علق بتلك المسافة الزمنية التي سجلت اخر حديث لي مع سماحة الشيخ، كان صوته يحمل نبرة رحيلٍ أخيرٍ لم تعتدها اسماعي منذ لقائنا الاول قبل اكثر من 28 عاماً، كنتُ خلالها وفي صبيحة كل عيد إنا ان اكون من اول المهنئين له يوم كنا في المنفى وكذلك عودتنا الى احضان الناصرية ألأُم بعد عام 2003، وحينما لا اكون قريبا منه كان الهاتف هو الحل الاسرع لمعاقبة تلك المسافات التي تحول بيننا. في العيد الفائت قبل اكثر من شهرين اتصلتُ بسماحته مهنئا بعيد رمضان المبارك وكعادته فرح جدا بسماع صوتي وترحم على ابي الشهيد الذي يكن له كل الحب والاحترام ويتحدث عنه باسهاب مفرط لا يخلو من حزن ومرارة، وكان الشيخ يومها في ناصريته التي يعشق حرها وبردها ويفضلها على كل مدن العالم التي كانت تحت مرمى عصاه في اي وقت شاء، لكن للناصرية سحرها الخاص وجاذبيتها التي تشده اليها في كل الاوقات وكأنه يريد تعويض ما فاته منها في المنفى القسري طوال اكثر من عقدين من الزمن المنفلت من ساعة الشيخ محمد باقر الخويبراوي وهو خارج احضان المدينة السمراء.

وللخويبراوي نصيب من تمرد صاحبه الشيخ محمد باقر الذي انتصر لمدينته على لقب اسرته الذي نسجهُ لها والده المرجع الشيخ عباس الخويبراوي، القادم محسور الرأس من الناصرية الى حوزة النجف وبيوتاتها العلمية المحصنة التي تتوارث المرجعية والعمائم والالقاب مثلما يورّث رجالُ المال ثرواتهم ومهنهم لابناءهم، لكن هذا لم يمنع الفتى الجنوبي الاسمر المسمى عباس بن عواد، ان يحجز مقعداً له بين مراجع النجف واسمائها الرنانة ليحصل على اجازة الاجتهاد كأول جنوبي من هذه المدينة المقلدة طوال حياتها لاسماء ومراجع دين لم يسيروا على شوارعها السمراء وازقتها المهملة يوما ما، حتى اصبح الشيخ عباس الخويبراوي اسماً لامعا ينافس اساطين الحوزة على المرجعية التي استعانت به فيما بعد في الكثير من شؤونها. ورث الشيخ محمد باقر من ابيه الحجة الشيخ عباس الخويبراوي، عمامة سلام بيضاء وعصا سمراء وعباءة زهد وعلم وتقوى واسماً علمياً جاهزا للاستعمال الحوزوي، لكن عشق الناصرية وولعه بها جعله ينحاز للانتماء للمدينة وليس للاسرة العلمية الجاهزة.

محمد باقر الناصري، عباءة الجنوب وعصا الحق ومشعل المقاومة ومدرسة التفسير لكتاب الله المهجور حتى من بعض قرائه في ازقة الحوزة العلمية، هكذا تتلمس الكلمات خطى دلالاتها في الطريق الى منزل آية الله الناصري القريب من ساحة الحبوبي في الناصرية. بين تمثال الحبوبي ومسجد الناصري بضعة متسوقين ومارة بملابسهم الرثة وجباههم السمراء وسواعدهم المفتولة بالقوة والعناد، بين الرجلين درجة قربى لا يعرفها أبناء الناصرية او غيرهم، كلاهما غادر النجف الى هذه المدينة السمراء يحدوهما سبب واحد وهو إيمانهما بأهلها في التغيير واعتقادهما بأهميتها التاريخية التي تحمل خلايا الحضارة وجينات المدّنية ووقود الثورة ولو عرف اهل الناصرية عشق هذا الرجل لمدينته وتفانيه في الدفاع عنها والمطالبة بحقوق ابناءها المضيعة، لعلقوا له في كل بيت صورة واستذكار.

كلما حاولت ان اكتب عن الشيخ محمد باقر الناصري تزدحم بذاكرتي مواقف كثيرة كنت شاهد عيانٍ عليها، ربما ستفوتني الكثير منها تحت ضغط اللحظة المؤلمة لرحيله المر. جمعتني مع الشيخ الناصري ليال كثيرة وحالكة حد التيه، كان فيها الشيخ مشرقاً ومضيئاً وشجاعاً حد الخوف من المجهول الذي ينتظر هذا العراق.
كنت برفقة الشيخ الناصري ايام الحرب الاميركية التي أسقطت الديكتاتور سنة 2003، وكنتُ أراقب عينيه المشدودتين لشاشة التلفاز وهما تشردان بعيدا داخل الوطن المفتوح الاحتمالات، حيث أقام الناصري مع مجموعة من الباحثين عن وطن كنت واحداً منهم في منزلٍ قريب من الحدود العراقية الايرانية لاصطياد فرصة افتضاض بكارة تلك الحدود الشائكة والملغومة، كان الناصري بشيبته الناصعة الوقار وعباءته السمراء وقامته الفارعة يتقدم المسيرة التي سوف تحط رحالها في مناطق الخوف والمغامرة وهو يشحذ الجميع بجرعات هائلة لاقتحام أسوار الوطن والعودة اليه. وصلنا الى الناصرية قبل أن تسقط المدينة من اكتاف الجند المساكين الذين كانوا يدافعون عن نظام من ورق، ما زالت أعمدة الدخان تتصاعد من أبنيتها الحكومية وسط ذهول الناس وعدم تصديقهم بما يجري حولهم، حاول البعض إقناع الشيخ محمد باقر الناصري بالاختباء في احد المنازل الآمنة لحين وضوح الرؤية، خوفاً عليه من عملية اغتيال جبانة، لكن رسالة الشيخ الناصري كانت أهم من حياته، وربما كان يرى ما لا نراه بحكم تجربته في السياسة ومعطياتها فهو يريد ان يطمئن الناس من خلال وجوده داخل مدينته الناصرية. بدأ الناصري بجولة مكوكية بين احياء المدينة ومناطقها لينطلق الى اقضيتها ونواحيها وبعض قراها، مبشرا الجميع بعهد جديد.

خرج ذات مرة الى أسواق الناصرية ماسكاً بيديه مكنسة ليحث الناس على النظافة. ولا انسى انفعاله على شرطي المرور الذي اخذ التحية العسكرية لرتل من الهمرات الاميركية، حيث نادى عليه الشيخ الناصري وأمره بالشجاعة ووبخه على فعلته هذه قائلا له "انت سيد الموقف في الشارع ولا ولاية لغريب عليك" فما كان من الشرطي المسكين الا الاعتذار والطاعة. هذه المواقف وغيرها كانت تحمل رسالة الناصري لأهالي المدينة وغيرهم ليقوموا بإعادة ترميم بنيتهم الاجتماعية والمدنية ومنظومة قيمهم التي كادت ان تتلاشى. رفض الشيخ الناصري كل العروض التي كانت تصله من بغداد ليدخل في مجلس الحكم او ليتبوأ منصبا في الدولة التي بدأت تتشكل بطريقة ارتجالية وسط تهالك الجميع على المشاركة في عناوينها، رغم كثرة الوفود والوعود التي كانت تصل اليه من خلال شخصيات لعبت ادواراً مهمة في تشكيل الحكومة الا انه ظل متمسكاً بمنزله القديم الذي استعاده فور وصوله، مستعيدا به مواقف وذكريات كثيرة كانت مخبوءة في ذاكرته، لعل أهمها ان هذا البيت اسهم في صنع الثورة ضد الديكتاتورية في مراحل مبكرة من الزمن الصعب لذلك لا يريد تدنيسه بمواقف سياسية غير محمودة العواقب. كما رفض ان يغادر الناصرية الى بغداد او النجف، لأنه كان يعتقد ان عملية البناء الصحيح تبدأ بطريقة تحتية وليست فوقية، وان اعادة ترميم الحياة الاجتماعية تبدأ بالفرد ثم تنتقل للمجتمع، لذلك كان ينادي بضرورة استحداث وزارة يسميها هو "وزارة إعمار الجنوب".

اول شيء كلفني به الشيخ الناصري بعد عودتنا للناصرية بيرم واحد هو اعادة اصدار مجلة «التضامن الاسلامي» التي كان يصدرها في بداية ستينيات القرن الماضي، وكلفني برئاسة تحريرها، استشعارا منه بأهمية العمل الثقافي والاعلامي في عملية البناء. كما كنتُ شاهداً على مواقف كثيرة لسماحة الشيخ وهو يدعوني لحضور موعد له مع نخبة من صناع القرار، اذ هممت بالخروج قبل وصولهم فمنعني الشيخ وقال اجلس اريدك ان تسمع ما سيدور بيننا من حديث، وعند حضورهم صب عليهم الشيخ جام غضبه وانفعاله نتيجة مواقفهم المخجلة في ادارة الدولة التي اضاعوا بوصلتها واخطأوا تقريرها.

لم ارَ في حياتي رجلا عنيدا وحاداً مثل هذا الرجل الذي لا تأخذه في قول الحق لومة لائم فهو يقول كلمته امام الجميع دون خشية او حياء لدرجة ان بعض المسؤولين والسياسيين يخشى زيارته في مكان عام خوفاً على برستيجه او مكانته التي لا يعترف بها الشيخ الناصري مهما علت، نقل لي مرة احد المستشارين لرئيس احدى الحكومات العراقية بعد 2003، ان هذا الرئيس اراد زيارة الشيخ في احد المناسبات فأوفده قبله ليتوسط له عند الشيخ ويطلب منه تقليص نسبة القسوة عليه في الحديث امام الحاضرين عند الزيارة.

يبقى محمد باقر الناصري اسماً لامعاً في تاريخ العراق السياسي والعلمي والاجتماعي لا تمحو مواقفه في صناعة تاريخ العراقي السياسي اخطاءٌ لم يرتكبها هو وإنما اخطاء ابناء جيله والمحسوبين عليه بالاضافة الى سوء قراءتنا لرموزنا الحقيقيين.
محمد باقر الناصري، بتفاسيره العديدة للقرآن الكريم، ومواقفه السياسية الحادة التي جلبت له العداء احيانا من ذوي القربى، ودفاعه عن العراق والعراقيين في المحافل الدولية وامام الرأي العام، وعصاه التي يتوكأ عليها الوقار والعناد والمقاومة وذاكرته المكتنزة بالعلم والجهاد، بكل هذا وغيره يبقى الرجل ناصرياً بعباءةٍ جنوبيةٍ وعمامة وطن بيضاء كأنها السلام.

رحل محمد باقر الناصري بقامته الفارعة واناقته التي لم تألفها عيوني بين رجال الدين، ووقاره اللامتناهي وعصاه التي يهش بها اليأس والهزيمة ووحشة المنفى، يقف امامي الان وانا احاول الكتابة له وعنه في يوم رحيله الابدي الى عالم لم نألفه فيه، اكتب له بطاقة عيد سوف تفوته قراءتها كما كان يفعل سابقا وسيقرؤها محبوه واقول له فيها :-

الاب الفاضل والمربي الكبير سماحة اية الله الشيخ محمد باقر الناصري السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وانت تغادرنا نحو عراق آخر تحت الارض وليس فوقها، عراق خاليا منهم جميعا. خالياً من رفاق دربك القساة الذين خيبوا آمالك كلها في صناعة غدٍ كنتَ تؤثّث له بكلماتك ومواقفك وزهدك وعلمك وتقواك .. اقول لك بعد ان اضع قبلة على جبينك الناصع بالبياض وعمامتك التي يتطاير منها حمام السلام الذي كنت تصنعه بكفيك السخيتين،
اقول لك :- " كل عام وانتم برحمة ورضوان ومغفرة لا تنتهي من رب غفور رحيم، وكل اضحى ونحنُ ضحايا حزنٍ لذكرى رحيلك في هذا العيد ".

مجاهد ابو الهيل / كاتب وشاعر عراقي
 
 
 
 
 

محمد باقر الناصري .. عمامة السلام